ابن جبير
109
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
وكانوا يرمون بالحراب إلى الهواء ويبادرون إليها لفقا بأيديهم وهي قد تصوبت أسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لا يمكن فيه المجال وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيتلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم يتفارق أيديهم إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده وأبناؤه أمامه وقد قاربوا سن الشباب والرايات تخفق أمامه والطبول والدبادب بين يديه والسكينة تفيض عليه وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات النظارة من جميع المجاورين فلما انتهى إلى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها وركابها يسابقون الخيل بها بين يدي الأمير رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه إلى أن وصل المسجد الحرام فطاف بالكعبة والقراء أمامه والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه وقد اخرج له من الكمية ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به ثم أعيدت القبة عليه وأخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى وانجفل بين يديه فسعى راكبا والقواد مطيفون به والرجالة الحرابة أمامه فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه وأحدقت الأشباع به وتوجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به وبقي المسعى يومه ذاك يموج بالساعين والساعيات